التغيير الجذري (1-3): مجرد إسم؟

حدوث الثورة هي نتيجة طبيعية من التناقضات الإجتماعية ورغبة البشر لتغييرها. هناك تناقض بين الظالم و المظلوم، ومن يملك ومن لا يملك، والأهم بين من يعمل وينتج ومن يسرق هذا الإنتاج.

الثورة أحيانا تنتهي من هذه التناقضات، وأحيانا أخرى تغير الأطراف المشتركة في الاستغلال والمتعرضة له.

الثورة حينما تنتهي من التناقضات تكون جذرية: تعني إلغاء القديم بالكامل و بناء الجديد، أي تحطيم مؤسسات وهياكل الاستغلال، وتحويل كل أنظمة الحكم من مصلحة الاقلية إلى مصلحة الأكثرية، أي عموم الشعب المضطهد. وهذه المهمة الثورية الصعبة لها شرط رئيسي وهو الثورة التي تحدث بيد الاكثرية و لصالحهم.

للتكرار، لا بد من توفر شرطين أساسيين: –

الشرط الأول: أن يكون التغير بيد الأكثرية، والثاني أن يكون لمصلحتهم . ولابد أن يتم تحت قيادة و تنظيم الأكثرية، عبر هياكل ومؤسسات خاصة بها تبنيها حسب مصالحها ولتناسب ظروف الصراع الذي تخوضه.

الشرط الثاني: هو ضمان تحقيق مصلحة الأكثرية من خلال سيطرتهم على السلطة و تحقيق مايريدون نحو مجتمع يعني فيه تقدم البعض تقدما للجميع.

فقط في حالة التقاء هذين الشرطين من هنا يمكننا أن نعرف أن الثورة قد غيرت المجتمع من قواعده، أي من جذوره.

من هم الأكثرية، ومن هم الأقلية؟

– حسب تقرير منظمة اللامساواة الدولي بأن أغنى 10% (4 مليون مواطن) في السودان يستحوذون على نسبة 45% من إجمالي الدخل القومي، وأن أفقر الشعب 50% من تعداد السكان الكلى (20 مليون مواطن)، يحصلون فقط على 15.8%من إجمالي الدخل القومي.

– يتضح أن الأكثرية هم الفقراء، المستغَلين، هم نواة التغيير الجذري، من مصلحتهم تغيير النظام و المصالح الاقتصادية التاريخية في السودان، الأكثرية هم منتجو الثروة، والأقلية من يستحوذون عليها، فلا تغيير جذري يمكن أن يتم بدون إحداث تحول هائل في هذه القضية.

هل يمكن أن يحدث تغيير ضد مصالح الأكثرية؟

– بالطبع يمكن أن يحدث، كما حدث تاريخياََ في عدد من النماذج، مثلاََ عندما سلم حزب الأمة بواسطة عبدالخليل السلطة للجيش بقيادة عبود، و مفاصلة الاسلاميين بين المؤتمر الوطني و الشعبي، و اتفاقية جوبا و غيرها الكثير من النماذج. إن ما يجمع جميع التغييرات التي تم ذكرها آنفاََ بأنها ليست تغييرات جذرية، بيد الأكثرية ولصالحها، بل هي تغييرات في الشكل تمت في واجهات الحكم و تغيير المسميات، وقامت بها الأقلية لمصلحتها لا مصلحة الأكثرية.

هل يمكننا القيام بعملية التغيير الجذري ؟

للإجابة على هذا السؤال فلننظر إلى تطور ثورة ديسمبر في شكلها السياسي و التنظيمي في تنظيم الناس العاديين، نقصد لجان المقاومة ،و هنالك أسباب موضوعية لقيام ثورة ديسمبر. الشرارة كانت سياسات نظام عمر البشير الاقتصادية التي تكرس لإفقار الشعب، التي تزيد استغلال الأكثرية لإمتصاص الصدمة عن الأقلية. تحركت الجماهير في بداية ثورة ديسمبر فأسقطت رأس النظام، و أحدث تغييرات شكلية وبعض القوانين ونقلت ملكية بعض المنشآت والعقارات والشركات، ولكنها لم تغير المصالح الاقتصادية لتتجه نحو مصلحة الأكثرية. استمر الاستغلال في حكومة حمدوك، بل وازداد، مثلا لم تفرض الحكومة أي ضرائب تصاعدية على رؤوس الأموال، ولم تدعم صغار المنتجين و المزارعين بل فرضت اسعار تركيزية أقل من سعر السوق، كل ذلك الاستغلال دفع الناس لتنظيم صفوفها وأتاح لها رؤية الأمور بوضوح.

توسعت لجان المقاومة وغيرها من أشكال تنظيم الاغلبية لذاتها لتشمل كل الأحياء تقريباََ في السودان و بنت هياكلها التنظيمية و لوائحها، ومع زيادة الاستغلال وازدياد وطأة عنف الدولة لصالح المليشيات وأصحاب المصالح، تحركت في عدد كبير من المدن و احتلت محلياتها، حيث تشكل لها مفهوم الحكم المحلي فأنتجت خطاباََ سياسياََ بشعار كل السلطة للشعب، كل الثروة للشعب. وهذه خطوة كبيرة للأمام. أتى انقلاب البرهان الثاني في الخامس و العشرين من أكتوبر، و زاد معه الاستغلال لدرجة لا تطاق، ولأن الثورة تعلم الجميع، حدثت قفزة عالية في تطور لجان المقاومة “ليس كل اضطهاد يعلم الشعب، بل أحيانا يزيدهم جهلا” فحاولت حشد صفوفها بأداة البرنامج الموحد الذي يرسم الأسس التي يقوم عليها أي تغيير ذي معنى، أي المواثيق. مثل ميثاق سلطة الشعب في الخرطوم ، و المواثيق الثورية في بقية الأقاليم.

نعم يمكن أحداث تغيير جذري!. نظراََ لتطور تنظيم الأكثرية “لجان المقاومة” ، و الخطاب السياسي منذ بداية ثورة ديسمبر و حتى وقتنا الحالي، تصبح الإجابة نعم، حدوث التغيير الجذري أصبح واقعاََ وليس حلماََ كما يدعي البعض، فنحن في أمس الحوجة للتغيير الجذري اليوم،وعلينا إذن مواصلة العمل على توفير واختراع قيادة للثورة تناسب الأكثرية، لتحقق مصالحها المتفق عليها، على الاقل كما وردت في المواثيق الثورية المختلفة..

يتبع…